مؤتمر الجراح
د.محمد سليم وهبه
14/3/2006
جرح فوق جراح، اصبح الجسد فيها دما متماسكا، يرزخ تحت عبئ وجعه الأقوى والأعظم والذي يتخطى الإحساس، وحدوده كيان الوطن.
حقيقة الألم أنه لا يتراكم، ولا نشعر بما هو أقل ألما. فأمام عظمة ألم الإنتماء، كل الأشواك تصبح عدما للمتعلق في سفينة الحرية، وأمام جروح الخذل تصبح كل الجروح بلسما تداوي بها الدم المنتفض، والخوف في أن ينسى المواطن حقه في الأرض، وتنضب واجباته إلى نهاية.
ربما التخضرم السياسي ولعدم وجود الحيلة في يده، وللفت النظر عن الواقع المرير، يصطنع الأزمة، لتصغر أهمية الحاجات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية. فأمام خطر الحرب التي بقيت في ذاكرة الرعب الشعبي، وأمام الغيرة الوطنية، يترك الشعب الصغائر من مادية ومالية، ويلتفت إلى نداء الوطن. وتبقى المشكلة في شكل النداء التي يربط الوطن في حدود الطائفة، وليس في انبعاث الكيان، ما يسبب معضلة من معنى آخر تتناقض في عمقها مع مفهوم الإنتماء.
ومن خلف الستار، وخلف الخطاب، تبقى المصالح رابصة في زواياها، لا تنظر إلى حاجات لقمة عيش من أتى بها وحملها على سدة القرار. ولا هم إن بدت عمق معالم الازمة الحياتية والمالية والاقتصادية متأزمة ولم يعد للشعب حمل لها، فالإنعكاسات الاجتماعية وإن تزايدت لن ترتفع عن حاجب الطائفة، التي يقودها الزعيم.
يذكرني المقام بقول للمونسنيور كومبو حين انهالت الشتائم من قوى التغيير على زملائهم في المؤتمر الوطني في جمهورية الكونغو، وقد كان جميع الفرقاء شركاء في الحكم والغنائم، فقال لتتوقف معاناة الشعب، "أن الجميع كانوا في نفس النهر، وتبللوا بمياهه، واستفادوا منه، فأن نخرج منه مبللين وعلى أجسادا بقايا من هذه المياه شيء طبيعي، أن نخرج بجفاف، فهذه أعجوبة" ولا أعاجيب لمن لا يؤمن، وقد بعد الجميع عن الإيمان.
قد لا يكون السبب هو الفرعون الذي تفرعن ولم يجد من يرده، الا يمكن للشعب أن يعي مصلحة أجياله القادمة في حلم الإنتماء؟. أحاول ومنذ فترة النظر فيما يمكن أن تكون قواعد قياس الأداء ليحكم على أساسها الشعب على من إختارهم في مصير التنمية، وهل لا يكفي للمساءلة أن تكون نسبة النمو الاقتصادي في 2005 معدومة، وأن يكون 2005 من أحرج السنوات منذ حوالى 15 سنة رغم وديعة الرئيس الشهيد رفيق الحريري والتي نسيها من كان سببا في التقلبات السياسية والتي بنتيجة النسيان زادت الاختلالات في مالية الدولة فأصبحت تشكل نسبة الدين العام الى الناتج المحلي الاجمالي حوالى 190 %.
وأي نسبة هي الحد الذي يمكن أن يقبل الشعب دفعه من ماله العام في خدمة الدين الذي لم يستلفه ليثور، وهل يجب أن تتحطى نسبة 34.6% من مجموع النفقات ونسبة 45,3% من نفقات الموازنة، وأن تمتص 47,7% من الايرادات الاجمالية لعام 2005، فما هو السقف، أم ينتظر الشعب مرحلة عدم الدفع.
الشعب اللبناني تتناقله أهواء الرياح، يطلب ولا يجاب، والدوله في بعدها عن الشفافية ولتعطي صورة غير واقعية عن الوضع المالي، لا تدفع كل المتوجبات المترتبة عليها، باستثناء النفقات الاساسية للرواتب والتقديمات، باعتبار ان إجمالي النفقات للشهر الاول بلغت 746 مليار ليرة، منها 274 مليار ليرة لخدمة الدين العام فقط. وهي نفس قيم النفقات العائدة للعام 2005. يضاف الى ذلك، ان هذا التشدد في ضبط الانفاق يصادف مع تطبيق الانفاق على القاعدة الاثني عشرية، وبالتالي بإمكان المالية ان تدفع ما تريد وترجئ ما تريد. ولا نعلم إن دخلت نفقات الاستثمار حيز الدفع والتنفيذ، بالطبع دون التذكير بموجبات ومستحقات الضمان والمؤسسات والمترتبات لموردي المحروقات على كهرباء لبنان، والمتراكمة منذ أكثر من سنتين وهي قيد المعالجة حاليا بصيغة معينة، وقيمتها 152 مليار ليرة.
وقد لا تكون المخاطر الإقليمية عامل مؤثر رغم ورودها في
تقارير استراتيجية دولية، فالقليل هم الذين يقراؤن حتى ولو ارتبط ذلك إقليميا
بمخاطر قد تؤثر على وجود المنطقة برمتها، ومنها اندلاع حرب بين سوريا وإسرائيل،
وتنظيم هجمات انتحارية من جانب المنظمات الراديكالية ضد أهداف أميركية وأهداف أخرى
حليفة لها، احتمال وقف تدفق امدادات الغاز الطبيعي الإيراني الى تركيا ومواجهة
الأخيرة لأزمة طاقة خانقة، تقوية الدعم الشعبي للأنظمة في المنطقة، توجيه ضربات
إيرانية للمصالح الأميركية والانكليزية والحليفة في العراق، توجيه حزب الله ضربات
ضد إسرائيل، قيام حركة حماس والجهاد الإسلامي بعمليات انتحارية ضد إسرائيل، تنظيم
الشيعة في أفغانستان هجمات ضد المراكز الأميركية العسكرية في كابول، مضاعفة نفوذ
وانتشار الإسلام الراديكالي في المنطقة، تجاوز سعر برميل النفط المئة دولار وظهور
أزمة اقتصادية عالمية.
ربما النوم على حبوب المهدئات في مخدر البرامج الاصلاحية أفضل وأقرب إلى المعقول، حتى لو لم يفكر به كليا المكلفين وبقي على وعد الطبقة الحاكمة بانتظار رفع فائض الموازنة الى مستوى متلائم مع التوازن الآمن المطلوب، وإعادة هيكلة الدين العام عن طريق الخصخصة والدعم الدولي وخفض خدمة الدين الى مستوى متلائم مع الارصدة الاولية المستهدفة، وتعزيز قدرة الاقتصاد على النمو لإحداث انقلاب جذري في ديناميكية الدين العام. ليأتي حلم الدعم من الخارج في سبيل استعادة مناعة البلد المالية وتحسين النمو ومستوى معيشة اللبنانيين ورفاهيتهم.
قد يحتاج المجتمع إلى صحوه تهزه من غفوتة، ربما تكون انهيار الليرة عنوانا لها، مع
ما قد يترافق ذلك من إنعكاسات سلبية على المستوى الحياتي والإجتماعي، علما أن على
المواطن أن يدرك أنه ضمن الإصلاحات الجديدة سيكون
تدخل المصرف المركزي من الماضي،
ولن يصبح من دوره تلبية حاجات سوق القطع للحفاظ على استقرار سعر الصرف. وبانتظار
ذلك، فالمجتمع المالي يعيش على هبات الريح القادم من مؤسسات التصنيف المالي والتي
بهدف إغراق أكبر للبنان في الديون، تحسن نظرته الى السندات السيادية اللبنانية.
الشعب بعد أن تخلى عن دوره في المحاسبة والمساءلة أصبح الحلقة الأضعف في الحكم، وهو مضرب العصى في حال إختلاف المصالح، بين كافة الطوائف والأطراف، ونسأل الشعب من حاسب:
1- عندما تركت البلاد أكثر من سنتين دون موازنة رغم سوء هذه الإشارة للاسواق الخارجية وللمستثمرين وللدول المانحة التي أبدت استعداداً لمساعدة لبنان انطلاقاً من مؤتمر بيروت1،
2- وتأخر الورقة الاصلاحية، بعد أن أخل لبنان بالاصلاحات التي تعهد بها خلال مؤتمر باريس 2 نتيجة عدم التوافق السياسي تحت شعارات مختلفة،
3- وتراجع المؤشرات الإقتصادية في البلاد وعن تراجع المستوى المعيشي ومستوى الدخل.
4- ما كانت المساءلة عن حالة انعدام النمو الاقتصادي مقابل نمو بالدين العام الذي فاق 9.3% خلال العام 2005 وتخطى 38 مليار دولار في نهاية العام 2005، والذي أصبح في الشهرين الاولين من العام 2006 ما قيمته 38,5 مليار دولار،
5- ودفع كلفة الدين العام في موازنة 2006 والتي ستصل الى 4700 مليار ليرة.
6- كيف الحكم على حالة الكهرباء في لبنان، وبدل أن تكون بلد مصدر، أصبحت مستوردة، وفي عجز مستعصي ترهق الخزينة بما يزيد عن 800 مليون دولار سنوياً،
7- وحالة عجز صندوق الضمان الاجتماعي، وكيف يعتبر الشعب ضعف هذه المؤسسة الوطنية والتي كانت وفي كل العهود مركز الثقل المالي والحرك الإقتصادي، والتي أصبحت على حافة الإفلاس.
8- والمسؤولية عن البطالة والتي تتخطى 35% تبعا لبعض الدراسات، يضاف اليها سنويا أكثر من 58000 مواطن.
حيث يحتاج لبنان سنويا إلى 64000 فرصة عمل كان لبنان يؤمن منها 10% فقط، وقد إنخفضت هذه النسبة مع تزايد عدد إقفال الشركات الإنتاجية نتيجة التعثر، بالإضافة إلى عدم إقدام المستثمرين إلى استثمار أموالهم في لبنان في القطاعات الإنتاجية، باستثناء ما يحصل في قطاع الصفقات العقارية.
وفي الأمل، يكفي النظر إلى مرتبة لبنان في تقرير المناخ اٌلإستثماري في سنة 2006 وهي المرتبة 95 من بين 155 دولة، وهي دراسة تحليلية مقارنة تجريها مؤسسات البنك الدولي وتقيس سهولة وتكلفة الإجراءات القانونية والإدارية ويعتمد على مؤشرات كالإجراءات التنظيمية والتراخيص والتوظيف والتسجيل في السجل العقاري وحماية الإستثمار وتنفيذ العقود والضرائب والإفلاس، وبالتالي لا يوجد للشباب سوى الهجرة، والتي سببت بدورها، عدم توازن ديموغرافي بين الذكور والإناث، حيث يتم الحديث عن معدل شاب لكل 4 فتيات مما يؤثر على الأخلاق العامة وعلى التوازن الإجتماعي.
أمام هذه الطروحات وأمام الحاجة في لبنان إلى أموال آنية بقيمة 5 مليارات دولار، ولمواجهة الإستحقاقات التي ستتهاوى خلال 2006 و 2007 بقيمة 11 مليار دولار، وأمام الشكوك التي يثيرها البنك الدولي ما سيكون دور المواطن في حقة الحامي لبنيان الوطن، خاصة بتطلعه إلى الحوار الرهن الحاصل، الذي إرتدى جلبابا خيوطه مستوردة، فأطراف الجلباب في قياس أكبر من قياس الوطن، والصراخ والإتهامات حاولت أن تضعه في أروقة تصوغه من جديد، فالنار زادت في مرارة السكر، والوطن يهرب من ثنايا اليد.
إجتمع الحوار يهدئ روع الحقن النازف في روح الوطن، فراح يبحث عن خلاص في ضحية، فأصبحنا في قصص ابن المقفع كالقط الذي وجد مبردا لسحه لآول مرة ولم يستطعم، ولسحه في المرة الثانية واستذاق الدم الذي أحبه، وذهب يلسح بشراهة، هو يلسح والدم يزيد، والجرح يكبر والدم ينهمر أكثر، فضاع الجسد، يسيل ويتآكل دما غير متماسكا.
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------
الإقتصاد الأعجوبة
د.محمد سليم وهبه
8/10/2005
الأعجوبة تعبير تركن إليه الإنسانية عند الشدائد وعند طلبها المستحيل، وبإيماننا نصلي ونتضرع ونتلو الأدعية ونحيي ليالي القدر، لتصبح الإعجوبة يانصيب ندفع ثمنها العمر بانتظار أن تحدث.
عندما نبحث في الإقتصاد اللبناني نبحث في الإقتصاد الأعجوبه التي يستمر دون مقومات إنتاجيه واضحه، شبيه ببنيان شاهق دون أعمدة في ظروف جاذبية الأرض، فقبل الأزمة كان ما يسمى بالإيرادات الغير منظورة التي كانت تمثل نسبة 30% من الدخل الوطني اللبناني تصنع الأعجوبة.
وأصبحنا نستجدي الأعجوبة تارة عربيا وتارة دوليا والآن أميركيا، وهذا بعد أن أثقلت الديون الدخل القومي الحقيقي لتتخطى نسبة 200% منه.
كانت الناس تعرف الصلاة ومؤمنة بالوطن، فإستجاب الله أعجوبة باريس في فصولها الأولى والثانية، وأرسل لنا أموال تم اسثمارها في سندات الخزينة، وشاركت المصارف اللبنانية بسندات أودعتها لدى المصرف المركزي بفوائد صفر، وبالطبع جددت السندات ومددت ولم تقبض عند الإستحقاق.
وبعد أن استنفذنا مارزقنا الله به، أخذنا نتضرع نحو بيروت I، والتي سيعقد في أواخر تشرين الثاني ، معتمدين على الكرم العربي والخليجي، وطبيعي سيكون للمصارف اللبنانية كما في كل عرس نصيب، فطبيعي أن لا تنسانا الشهامة الخليجية من فضلها، وهي التي انتفضت مشاعرها لرؤية الأعاصير تضرب نيو اورلينز في ايلول 2005 فتراكضت مساعداتها لتصل المساعدات القطرية والكويتية إلى 650 مليون دولار، وربما سيكون مستوى كرمها أعظم عند مشاهدة الفضائيات اللبنانية والدعايات التي تدعو لزيارة لبنان.
هل ستستجاب الصلوات وهل يمكن للدول أن تعطي دون أن تسأل إلى ما لا نهاية دون أن يكون لها مكاسب إستراتيجية، والسؤال كيف سيكون مستوى التجاوب، ولم تنفذ الدولة التزاماتها بالنسبة لباريس 2، ولبنان لا يعتبر دوليا بحاجة لتمويل نظرا لقطاعه المصرفي الضخم، وأن ودائع القطاع المصرفي تتخطى 250% الناتج القومي.
وكيف سيكون التقييم المالي للمساعدات والوضع الإقتصادي اللبناني بعيد عن الأعجوبة بعد أن شهد لبنان تراجعا شبه كامل في كافة المؤشرات السياسة والاقتصادية اللبنانية وهي مؤشرات أكثر سوءاً على صعيد القطاعات المختلفة مما كان عليه الوضع عشية التحضير لمؤتمر باريس 2. حيث تشهد كل المؤشرات الاقتصادية تراجعاً شبه شامل من السياحة إلى النقل وحركة وتراجع الإيرادات العامة والانعكاسات الكبيرة لارتفاعات اسعار النفط على الميزان التجاري، وكذلك العجز المتراكم في ميزان المدفوعات الذي سجل رقماً قياسياً في التراجع حتى نهاية تموز الماضي، اضافة الى تراجع حركة الودائع في المصارف التي تراجعت حوالى 2% مقابل نمو في العام الماضي بنسبة 12,6% تقريباً، وكذلك تراجع حركة الرساميل بنسبة فاقت 30%، ناهيك عن تراجع النمو الاقتصادي في البلاد إلى حدود الصفر حتى لا نقول بالنمو السلبي مقرونة مع نمو 5 % من العام الماضي وسط استمرار الدين العام بوتيرة النمو ذاتها وان تراجعت كلفته عن الاعوام السابقة بفعل انخفاض الفوائد.
هذا وقد بلغ العجز الاجمالي (موازنة وعمليات الخزينة) خلال لغاية نهاية آب 1612 مليار ليرة وهو ما يعادل نسبة عجز قدرها 24,69 % من مجمل النفقات، فيما اجمالي ايرادات الموازنة والخزينة المحصلة حتى نهاية شهر آب من العام 2005 بلغ 4917 مليار ليرة اي بانخفاض قدره 104 مليارات ليرة عما كانت عليه خلال ذات الفترة من العام 2004، وتمثل نسبة انخفاض قدرها 2,07 % بالمقارنة مع العام الماضي.
بالإضافة إلى ذلك فان اجمالي مدفوعات الخزينة (موازنة وعمليات خزينة اخرى) حتى نهاية شهر آب من العام 2005 بلغت 6529 مليار ليرة.
تجدر الاشارة الى انه، وحتى نهاية شهر آب من العام 2005، بلغ
مجموع الانفاق على خدمة الدين العام 1993 مليار ليرة، اي بانخفاض تراكمي قدره 514
مليار ليرة عما كان عليه مجموع خدمة الدين العام حتى نهاية آب من العام 2004. يعود
سبب ذلك الى استمرار مفاعيل العمليات المالية والقروض الميسرة التي تم تنفيذها في
سياق مؤتمر باريس2.
هذا التحسن في الانفاق على خدمة الدين مرده ايضا الى مستوى الانخفاض الذي شهدته معدلات الفائدة على سندات الخزينة بالعملات المحلية والاجنبية خلال تلك الفترة.
من جهة اخرى فقد بلغ مجموع الانفاق من خارج خدمة الدين العام
وحتى نهاية آب من العام 2005 مبلغ 4536 مليار ليرة، وذلك بالمقارنة مع مبلغ 4317
مليارا للفترة ذاتها من العام 2004، اي بزيادة في حجم الانفاق من خارج خدمة الدين
العام قدرها 219 مليار ليرة اي بارتفاع قدره 5% عن العام الماضي، وطبيعي أن يشمل
هذا الإنفاق الورد في الوزارات والقصور، والمرافقات اللواتي يتغندرن على مشارف
القصر الاعلى عند إجتماع مجلس الوزراء والتي ترافقن الوزراء إلى قاعة الإجتماعات
مخافة ان يضعن عن الطريق.
وسبب رئيسي آخر لهذا الارتفاع في الانفاق من خارج خدمة الدين
يعود الى تحويلات لشركة كهرباء لبنان، حيث بلغت التحويلات لصالح شركة كهرباء لبنان
حتى نهاية شهر آب 2005 ما قيمته 746 مليار ليرة، وذلك مقارنة مع 444 مليارا خلال
الثمانية اشهر الاولى من العام الماضي، اي ما يوازي زيادة قدرها 302 مليار ليرة.
فبين نقاط الإختلاف تبرز نقطة الظروف أساسية في مطالب لبنان من المجتع الدولي، إذ لم تعد القروض الميسرة والطويلة الاجل تحلّ وحدها مشكلة نمو المديونية العامة وتراكم عجز الموازنة وكلفة الدين العام في الموازنة والخزينة، الذي فاق مع المستحقات ال40 مليار دولار.
لا بدّ في إطار الحديث عن سعي لبنان للحصول على دعم من الدول المانحة لمواجهة الاعباء الاقتصادية والمالية من التوقف عند جردة حساب بسيطة الناجمة عن الأداء الاقتصادي في ظل المناكفات السياسية خلال السنوات القليلة الماضية لاسيما في القطاعات المرشحة للخصخصة او تلك التي عرضت التجربة وأعاقتها السياسات المتناقضة.
1 - الكهرباء، وفي جردة أولية يتبين ان قطاع الكهرباء كلّف الخزينة بسبب العجوزات المتواصلة بين العام 1994 وحتى اليوم حوالى 3,7 مليارات دولار، واذا ما تمّ احتساب الفوائد على أساس فوائد سندات الخزينة بالدولار فإن هذا العجز يرتفع الى حوالى 5 مليارات دولار،
2 – الخليوي، وهو القطاع الأساسي في موضوع الخصخصة المرتقبة في تأمين بعض المال لتخفيف حجم الدين العام وكلفته على الخزينة والموازنة في إطار تعهدات الدولة في الإصلاحات للدول المانحة بعد اجتماعات نيويورك تحت المظلة الأميركية والرعاية العربية.
3 - الدعاوى التحكيمية بين الدولة و شركات الخليوي وشركة <<سي سي سي وهوكتيف>> حول اشغال مطار بيروت حيث كانت الشركة تطالب بحوالى 200 مليون دولار ثم بدأت مفاوضات بين طرفي النزاع وكلّف مجلس الانماء والاعمار بإجراء المفاوضات حول التسوية بدلاً من متاهات التحكيم، التي اعتادت الدولة على خسارتها او خسارة اكثرها.
من هنا يقول رئيس الحكومة أن خيار الخصخصة لا بد منه من دون تحديد العائدات باعتبار ان الخصخصة هذه المرة تشكل بندا إصلاحيا أكثر منه بندا ماليا للحد من الإنفاق الغير مجدي وتحسين أداء المؤسسات العامة، وهو يعلم أن حكومته لن تستطيع القيام بالمستحيل، ولا يمكن حل المشاكل كلها والمتراكمة على كاهل الوطن بطرفة عين، ولكن يفترض أن نبدأ ونضع أسس المسآلة كمقياس أولى نحتكم به على الأداء العام، وأن نواجه الحقيقيه.
وبانتظار الحقيقة وبغياب المداخيل، ونحن على ابواب المدارس وعلى مداخل الشتاء، فالمواطن على المحك في ضائقته المالية بين الارتفاع الهائل لأسعار المحروقات، وتردي الاوضاع الاقتصادية، اذ لا يكفي راتب ال300 الف ليرة لعشرين تنكة مازوت يبلغ سعر الواحدة منها ثمانية عشر ألف ليرة، ومن المتوقع أن يرتفع أكثر مع بداية الامطار والثلوج. كما إرتفعت أسعار الخضار عند بدء رمضان، مما دفع بالعديد من المواطنين الى صرف النظر عن المازوت كوسيلة تدفئة، والتحول الى مدافئ الحطب والغاز، وكلاهما يحمل من المخاطر ما يهدد السلامة الصحية للافراد، إضافة الى مشكلة الاضرار بالبيئة، من جراء اتساع ظاهرة اعتماد حطب الثروة الحرجية، ودفع آخرين إلى الإستغناء عن الخضار في فطورهم.
ولا ننسى دوامة المدارس والكتب الدرسية والمؤسسات التربوية التي تفرض على تلامذتها شراء القرطاسية والمرايل من أماكن محددة، وكأن التلميذ لن يتعلم إلا إذا حصل على هذه الدفاتر ولبس مريول المدرسة.
لنصم ونحيي ليلة القدر ربما قد نستفيق ونجد أن الدين العام قد تبعثر وهبطت علينا الأموال من المدخنة بقدرة أعجوبة، ودفعت الدولة مجمل مديونيتها والتي هي في معظمها لحساب جهات لبنانية، وليس لحهات خارجية، مما بالطبع سينعش البلد.
هيهات أن تحصل الأعجوبة ولكننا، بحاجة لإيمان عظيم وصدق كبير يتخطى المفاهيم المادية والسياسية، ويتجلى بصفوه سامية من الروح، ولكننا في زمن غابت عنه الأعاجيب في لبنان.
----------------------------------------------------------------------------------------------------------------
لبنان القيامة
د. محمد سليم وهبه
31/3/2005
كارثة إغتيال الرئيس رفيق الحريري، أفقدت لبنان عامل التوازن في المعطيات المالية نتيجة ضعف البنية الإقتصادية، ويتطلب إيجاد توازنا جديدا وقتا، وهذا الوقت يصبح ثمينا جدا مع طول فترته، خاصة وبوجود اشارات وتداخلات خارجية لها مصالحها الخاصة، والتي يفترض أخد هذه المصالح بعين الإعتبار في التوازن الجديد تحت طائلة تهديد الإستقرار والهدوء والسلم الأهلي، وبقاء نقطة المراوحة على حالها تتأرجح بين الترقب والخوف، إلى أن تحصل نقطة اللاعودة في العنف والدم.
ولكي لا نصل لمرحلة العنف السياسي والعسكري، نضع بين يدي المعنيين المخاطر الإقتصادية الترتبة على هذا الوضع، عسى وعل أن يكون لذلك صدى في أذن متخذي القرار، خاصة وأن الفراغ الحكومي له انعكاساته على صعيد الحركة الإقتصادية والخدماتية، ومنها أمور حيوية تخص الحياة اليومية للمواطنين مثل إعطاء السلفات لشراء المحروقات لتأمين التيار الكهربائي اذا ما نفدت السلفة المعطاة الى المؤسسة قبل تشكيل حكومة جديدة، حيث لا يمكن للوزارة الحالية توقيع اتفاقية مع أي جهة خارجية لأنها بحاجة الى قرارات المجلس، وكذلك في إصدارات اليوروبوند التي يلزمها قرار من مجلس الوزراء، ويجمع الذين المسؤولين في الوزارات، على أن الأزمة تبقى في مجال السيطرة في حال لم تستمر لفترة أطول مما هي عليه الآن، وتعتبر أن فترة الشهر تشكل حداً فاصلاً بين الانحدار وعدمه، وكل يوم يمر يعني السير في خط الانهيار، لأن الحكومة الجديدة في حال ولدت سوف تجد نفسها أمام مهام جديدة ملقاة على عاتقها، ليس فقط في عملية البناء، إنما قبل ذلك في ترميم ما تخرب
من ناحية مالية، فقد اصبحت نسبة الدولرة في الإيداعات المصرفية بحدود 81% وهي أعلى النسب في دولرة الودائع منذ تاريخ سنوات التضخم الكبرى والتقلبات الحادة في سوق القطع في الثمانينات، حيث اصبحت دولرة الودائع في القطاع المصرفي توازي دولرة التسليفات البالغة حوالى 83 في المئة وهي ايضا من المرات النادرة في دولرة الاقتصاد اللبناني.
وبرغم اعتقاد القطاع المصرفي الذي استطاع المرور مرحلة الإهتزاز الأولي للزلزال من دون اضرار، فأن التحويلات من الليرة الى الدولار بقيت تنزف طوال الفترة الفاصلة منذ 14/02/2005، مع بروز توازنات احيانا وتدخل مصرف لبنان شاريا للدولار، باعتبار ان رفع الفوائد على الليرة لقاء تمديد الودائع الى 12% واعطاء 15% على الودائع المحولة من الدولار الى الليرة، مع كل ذلك وعند وجود استحقاقات للودائع في الليرة فلا زال أكثر المودعين يتوجهون نحو تحويل ودائعهم إلى الدولار.
برغم كل هذه المؤشرات والآليات فأن المشكلة بالنسبة للقطاع المصرفي ليست التحويل من الليرة الى الدولار، بقدر ما هي مشكلة طول عمر الأزمة السياسية التي قد تؤدي، في حال عدم بروز مؤشرات نحو الاستقرار، الى تنشيط التحويلات الى الخارج التي ما زالت حتى اليوم بحدود 1.250 مليار دولار منذ ما بعد كارثة الاغتيال للرئيس الحريري وحتى 15 آذار التحديد، وهذا المليار دولار ينقسم الى ثلاثة لأقسام:
القسم الأول وهو مبلغ يوازي 620 مليون دولار تم تحويله في خلال شباط.
القسم الثاني وهو يوازي 350 مليون دولار تقريبا تم تحويله خلال النصف الأول من آذار.
أما القسم الثالث والذي لا علاقة له بحادثة الاغتيال فهو القسم المحول خلال شهر كانون الثاني نتيجة المناكفات السياسية والخلافات التي لحقت خروج الرئيس الحريري واعتذاره عن تأليف الحكومة الجديدة. وقد بلغ هذا الرقم تحديدا 280 مليون دولار حسب الميزانية المجمعة للمصارف.
تبقى النقطة الاساسية التي يجب الانطلاق منها هي التخوف من تحويل الودائع، ليس من الليرة الى الدولار داخل القطاع المصرفي اللبناني، وانما تحويل المودعين ودائعهم الى خارج لبنان وهو ما عمل القطاع المصرفي ومصرف لبنان على الحد من حصوله منذ بداية السنة، وتحديدا بعد كارثة الاغتيال.
من ناحية الميكانيكية الإقتصادية والتي تعكسها نسب التسليفات المصرفية إلى القطاع الإقتصادي، والتي تراجعت بما قيمته 180 مليون دولار، في الوقت الذي تشكو فيه الاسواق التجارية من ركود كبير. خاصة وأن المؤسسات الخدماتية تعاني من أزمة حقيقية بعد أن أمتصت كثيرا من أموالها الجاهزة منذ حدوث المأساة، بدليل توقف 50% من المرافق الخدماتية،
و تبعا لداتا انفست فان كلفة الشلل الاقتصادي لغاية 15 آذار وبعد شهر من كارثة الإغتيال، يمكن أن يصل في غياب اي نشاط استثماري جديد في الاسواق إلى خسائر تقدر ب 750 مليون دولار وذلك بعد ان قدر خلو 70% من الفنادق، 80% من المطاعم والمقاهي، 80% من شركات تأجير السيارات، هذه القطاعات التي تؤلف مع الخدمات الاخرى اكثر من 60% من الناتج القومي، و90% من خدمات التأمين، و90% من قطاع الاعلان.
وبغياب اي طلب اجنبي او محلي في فترة الاصطياف والسياحة العامة يمكن لهذا الشلل ان يتعدى المليار و200 مليون دولار حتى ايلول 2005.
ان النشاطات الموجودة في وسط مدينة بيروت، والتي كانت المحال الأكثرا إنتاجية، توقفت نهائيا عن العمل، مما إضطر شركة سوليدير لجعل المواقف مجانية في قلب بيروت، ولجأت لتخفيض استثنائي لإيجارات المحلات بمعدل 50% ولفترة سنة، علما أن كثير من المؤسسات قيد صرف الموظفين لديها.
يتخوف الخبراء من ان ينسحب هذا الجمود على قطاعي البناء والعقارات اللذين كانا يشهدان طفرة في العرض والطلب وإذا ما أصيب هذان القطاعان بالجمود فهذا سينسحب ايضا على 20% من الناتج القومي وكذلك سيصيب صناعات البناء وقطاع الاسمنت وتجارة مواد البناء وعلى رأسها الحديد والخشب.
إذا استمر هذا الشلل والجمود بضعة أشهر بعد، فإنه سيضرب الاقتصاد الوطني في مكوناته الاستثمارية، وسيفقد المستثمرون الثقة في الاستثمارات او الايداع في المصارف اللبنانية.
وهذا الوضع سينعكس بالطبع على مديونية الشركات والأفراد وعلى قدرة السداد مما سيزيد من الديون المشكوك بتحصيلها في المصارف والتي كانت لغاية تشرين الثاني 2005 ما قيمته حوالى 3379 مليار ليرة بما يوازي 2,3 مليار دولار برغم ان المؤونات المأخوذة لقاء هذه الديون توازي حوالى 60 في المئة، مما يعني اشكالية جديدة للمصارف ولرؤوس الأموال المصرفية والتي يفترض أن تلتزم بتوصيات بازل 2 من ناحية كفاية رأس المال.
وحسب مصادر مصرفية ان التمويلات من الليرة الى الدولار باتت محصورة جدا وان السبب هو في ان الاموال المتبقية كودائع بالليرة يعود بعضها الى حسابات مؤسسات عامة وصناديق مثل صندوق الضمان الاجتماعي إضافة الى ودائع كانت اصلا موجودة بالليرة ولم تغير وهي باتت تقل عن 20 % من حجم الودائع.
ومع ذلك فإن الاسواق لا تزال تنتظر إشارات سياسية معينة لتحديد مسارها نحو الهدوء والاستقرار أو الاستمرار بسياسة تخطي الآليات الظرفية.
وقد حذر الرئيس السابق لجمعية الصناعيين جاك صراف من أن استمرار تداعيات اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري، ودخول البلاد في فراغ سياسي وامني من شأنه ان يطيح بالمكتسبات التي تحققت، والتي من شأن الاطاحة بها، نتيجة ما يحصل حاليا من تجاذبات سياسية وامنية، قد تؤدي الى كارثة حقيقية تصيب الجميع.
والمطلوب أن يعي ابناء الوطن، خطورة ما وصل اليه الاقتصاد الوطني من تدهور ومن جمود قاتل ومن افلاسات، وصرف عمال وموظفين في مختلف القطاعات نتيجة الاوضاع المتشنجة السائدة حاليا
ببالإضافة إلى المخاطر الخدماتية والمصرفية فأزمة القطاع الصناعي تكمن حاليا في عدم تصريف الانتاج، حيث تأثرت حركة التصدير سلبا، حيث أصبح المنفس الأكبر للصناعة اللبنانية وهو سوق العراق مقفلا، مما جعل المعوقات امام الصناعة اللبنانية كبيرة، ويهدد وجودها.
ونحن نرافق السيد صراف في طروحاته والتي تنطوي على :
اولا: تشكيل حكومة ترضي جميع الاطراف ويلتف حولها الجميع، تضع برنامجا سريع التنفيذ ينطلق من تامين انتخابات نزيهة وشفافة،
ثانيا: تنفيذ خطة طوارىء اقتصادية تشارك فيها الهيئات الاقتصادية لايقاف التدهور ووضع حد للنزف الحاصل.
ونرى بالإضافة إلى ذلك، أنه من المهم إعطاء دورا لجميع اللبنانيين المقيمين والمغتربين، الذين وثقوا بلبنان القيامة ومستعدون دائما للعطاء في سبيل الوطن، ولديهم قدارت تمويلية وإقتصادية وفكرية وأكاديمية بهدف الإعتماد على قدراتنا اللبنانية الذاتية، أمثال محسن حجيج ومرعي أبو مرعي وكمال برهوم وكثيرين ممن لا أعرفهم.
ذلك أننا في سباق مع الوقت، وقد أصبحت الثقة العالمية باقتصاد لبنان على محك، لا نطلب كثيرا ممن أخذ الكثير، فقط الحقيقة...، وقد دفع لبنان لغايتة ثمنا كبيرا لقيامته، فنتمنى أن تكون هذه القيامة على مستوى آمال وعطاء الشعب الذي وهب وأعطى بكل قلبه، ولا يطلب سوى قيامة وطن.
---------------------------------------------------------------------------------------------------------------